محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

140

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه عنه : سمعت الأستاذ أبا عليّ الدّقّاق يقول في آخر عمره ، وقد اشتدّت به العلّة : « من أمارات التأييد حفظ التوحيد في أوقات الحكم » ، ثم قال كالمفسّر لقوله مشيرا إلى ما كان فيه من حاله « هو أن يقرضك بمقاريض القدرة في إمضاء الأحكام قطعة قطعة وأنت ساكن خامد » . وقال الجنيد ، رضي اللّه عنه : « كنت نائما عند سري السقطي ، رضي اللّه عنه فنبّهني وقال لي : يا جنيد رأيت كأني قد وقفت بين يديه فقال : يا سرّي خلقت الخلق فكلّهم ادّعوا محبّتي ، فخلقت الدنيا فهرب مني تسعة أعشارهم وبقي معي العشر ، وخلقت الجنة فهرب مني تسعة أعشار العشر ، وبقي معي عشر العشر ، وخلقت النار فهرب مني تسعة أعشار عشر العشر فسلّطت عليهم ذرّة من البلاء فهرب مني تسعة أعشار عشر عشر العشر ، فقلت للباقين معي : لا الدنيا أردتم ولا الجنة أخذتم ، ولا من النار هربتم ، ولا من البلاء فررتم فماذا تريدون ؟ قالوا : إنّك تعلم ما نريد . فقلت لهم : إني أسلّط عليكم من البلاء بعدد أنفاسكم ما لا تقوم له الجبال الرواسي « 1 » أتصبرون ؟ قالوا : إذا كنت أنت المبتلي فافعل ما شئت ، فهؤلاء عبادي حقّا » . من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره . قصور النظر في عدم رؤية اللطف في القدر إنما هو من ضعف اليقين وقلّة حسن الظنّ بالمقدّر الحكيم ، ولو كمل نظر العبد وقوى بصره لرأى في ذلك من الفوائد والمصالح ما لا يحصى وما غاب عنه أكثر ، ولكان كما روى بعض الصالحين والعارفين أنه قال : « لقد مرضت مرضة فأحببت أن لا تزول » ، وكان عمران بن الحصين « 2 » رضي اللّه عنه قد استسقى « 3 » ببطنه ، فلبث ملقى على ظهره سطيحا ثلاثين سنة لا يقوم ولا يقعد ، قد نقب له على سرير من جريد « 4 » ، وكان تحته نقب لغائطه وبوله ، فدخل عليه مطرف أو أخوه « العلاء بن الشخير » فجعل يبكي لما رأى من حاله . فقال له : لم تبكي ؟ قال : لأنّي أراك على هذه الحالة العظيمة . قال : لا تبك فإني أحبّ ما أحبه اللّه تعالى إليّ . ثم

--> ( 1 ) الرواسي : الجبال الشوامخ . ( 2 ) عمران بن الحصين بن عبيد ( توفي سنة 52 ه - 672 م ) أبو نجيد الخزاعي ، من علماء الصحابة أسلم عام خيبر ، وكانت معه راية خزاعة يوم فتح مكة ، وبعثه عمر إلى أهل البصرة ليفقههم ، وولاه زياد قضاءها ، وتوفي بها ، وهو ممن اعتزل حرب صفين . له في كتب الحديث ( 130 حديثا ) . ( الأعلام 5 / 70 ، وتذكرة الحفاظ 1 / 28 ، وتهذيب الكمال 14 / 381 ) . ( 3 ) سقي بطنه : اجتمع في تجويفه البريتوني سائل مصلي لا يكاد يبرأ منه . ( 4 ) الجريدة : من النخل كالقضيب من الشجرة وهي السعفة نزع عنها خوصها .